سيد محمد طنطاوي

42

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والضمير في قوله : « منها » يعود إلى السماء لأنها مسكن الطائعين الأخيار ، أو إلى الجنة لأنها لا يسكنها إلا من أطاع اللَّه - تعالى - ، أو إلى المنزلة التي كان فيها قبل طرده من رحمة اللَّه . . أي : قال اللَّه - تعالى - لإبليس على سبيل الزجر والتحقير : فأخرج من جنتي ومن سمائي فإنك * ( رَجِيمٌ ) * مطرود من كل خير وكرامة ، وإن عليك اللعنة والإبعاد من رحمتي إلى يوم الدين ، وهو يوم الحساب والجزاء . وليس المراد أن تنقطع عنه اللعنة يوم الدين ، بل المراد أن هذه اللعنة مستمرة عليه إلى يوم الدين ، فإذا ما جاء هذا اليوم استمرت هذه اللعنة ، وأضيف إليها العذاب الدائم المستمر الباقي ، بسبب عصيانه لأمر ربه ، فذكر يوم الدين ، إنما هو للمبالغة في طول مدة هذه اللعنة ودوامها ما دامت الحياة الدنيا . وعبر - سبحانه - بعلى في قوله * ( وإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ ) * للإشعار بتمكنها منه ، واستعلائها عليه ، حتى لكأن اللعنة فوقه يحملها دون أن تفارقه في لحظة من اللحظات . ثم حكى - سبحانه - ما طلبه إبليس من ربه ، ومارد اللَّه به عليه ، فقال - تعالى - : * ( قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ . إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) * . والفاء في قوله * ( فَأَنْظِرْنِي ) * للتفريع وهي متعلقة بمحذوف يدل عليه سياق الكلام . والإنظار : التأخير والإمهال ومنه قوله - تعالى - وإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ . . أي : قال إبليس لربه . عز وجل : ما دمت قد أخرجتني من جنتك ومن سمائك ، وجعلتني مرجوما ملعونا إلى يوم الدين ، فأخر موتى إلى يوم يبعث آدم وذريته للحساب وخاطب اللَّه - تعالى - بصفة الربوبية تخضعا وتذللا لكي يجاب طلبه . وقد أجاب اللَّه - تعالى - له طلبه فقال : * ( فَإِنَّكَ ) * يا إبليس من جملة * ( الْمُنْظَرِينَ ) * أي الذين أخرت موتهم * ( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) * وهو يوم القيامة الذي استأثرت بعلم وقته ، والذي وصفت أحواله للناس . كي يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح . ويصح أن يكون المراد بالوقت المعلوم : وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق ويموت هو معهم . قال ابن كثير : أجابه اللَّه - تعالى - إلى ما سأل ، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف . ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب .